عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
184
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قلت : ورثى بمراث كثيرة تركتها خشية الإطالة وظهرت للشيخ أبي إسحاق بركات في زمامنا . 299 - ومنهم أبو بكر عتيق بن أحمد بن إسحاق التميمي المعروف بالقصري رحمه اللّه تعالى : قال : كان إمام جامع القيروان ، وكان من أهل العلم ، والدين ، والفضل ، والعبادة ، وقيام الليل ، وقلّة الكلام ، لا يكاد يتكلم في أحد ، مشغولا بعبادته ، وكان عالما بعلوم القرآن ، انتفع على يديه خلق كثير ، لأنه كان يقرأ عليه من سدس الليل الآخر إلى الضّحى ، ومن العصر إلى الليل ، وهو معدود في جملة العباد ، مجمع على دينه وفضله ، وهو من أصحاب أبي عبد اللّه بن سفيان المغربي ، توفي في الخامس من شعبان سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، ودفن بباب سلم وقبره معلوم رحمه اللّه تعالى . 300 - ومنهم أبو بكر عتيق السوسي رحمه اللّه تعالى : قال : جمع العلم ، والعبادة ، والزّهد ، والورع ، والتقشف ، وكبر الهمة من الفقهاء المبرزين ، والحفّاظ المعدودين ، وكان حافظا للفقه ، والحديث ، عارفا بمعانيه ، عالما بالنحو ، واللغة ، مع دين متين ، وورع حاجز ، وهو الذي صلّى على أبي عمران الفاسي فأعلم المعزّ بمكانه من الدين والعلم ، وأخبر بفقره ، وأنه لا مسكن له ، فبعث إليه بمال يشتري به دارا فقال أبو بكر للرسول : ما كان أغناني عن الصلاة على أبي عمران التي عرفت بيني وبينك ! وقال ردّها عليه وقل له : يدفعها لأربابها فإن لم يعلم أربابها تصدق بها على الفقراء ، فأعلم الرسول المعزّ بما قال ، فبعث إليه كتبا جليلة مثل المدونة ، والنوادر ، والموازية ، وغيرهما مما له قيمة كثيرة عن رؤوس الحمالين ، فلما وصل إليه الرسول أغلق الباب في وجهه ، فلم يزل يلاطفه وقال له : يقول لك المعزّ : هذه الكتب في خزانتنا ضائعة وبقاؤها عندنا مما يزيدها ضياعا وأنت أولى باقتنائها ، فقال له : اكتب على كل جزء منها « حبس على طلبة العلم » . فكتب ذلك ، فلما بلغ المعزّ ذلك ، قال : أردنا أمرا فغلبنا فيه ، وكان رحمه اللّه مرة يفتي ، ومرة لا يفتي ، وذلك من شدة ورعه ، لأنه كان مرة يعتقد وجوب الفتوى عليه ومرة لا يعتقد وجوبها عليه فلا يفتي .